الأربعاء، 12 يونيو 2013

لانك انت.. ح 3


الحلقة 3 (قارئ افكاري)




قال ذلك الشخص.. كلمات رغم معرفتي بها جيدا تبدوا مبهمة بالنسبة إليّ !! :

(وأدعى سيف عز الدين )

ازداد احساس الدوار .. كيف يكون هذا الشخص هو ذاك المدعو سيف!!

مما اذكر ان سيف كان الطبيب الذي انقذني .. يعني انني كنت رضيعة وكان هو طبيبا اليس كذلك!!.. كيف يمكن ان يكون هو .. لا يبدو عليه كبر السن !!.. لا اظنه تجاوز الثلاثون!!.. حتى ان كان هو.. فماذا كان يعني حينما قال انني لم اتغير !!..كيف له ان يعرفني !!.. لااااا ان هذه الافكار تصيبني بالصداع..

حاولت ألا اعير هذا المجنون انتباهي .. في ما يكفيني من قلق .. ومن ألم .. رفعت يدي بصعوبة لاضعها على رأسي واغمضت عيني بشدة احاول ان ابعد هذا الالم القادم من رأسي عنها.. امسك بيدي هو وابعدها .. ففتحت عيناي بتعجب وتألم ممزوج ببعض الغضب .. امسك معصمي برفق ونظر إلى ساعة يده .. ثم نهض ونظر مقربا إلى عيني وكان يبدو عليه القلق .. اما انا فلم استطع الشعور بشيء اخر.. كنت فقط اراقبه وهو يتفحص نبضي .. ومن ثم لا شيء .. احسست بنعاس شديد لم استطع مقاومته.. فقط نمت.. لا اعلم كم عدد الساعات التي مضت وانا نائمة.. او ربما الأيام !!

استيقظت مرة اخرى وكان الصداع قد نقص .. ولازال الدوار مستمرا.. نظرت إلى السقف لاحدق به.. لاجدني بغرفة اخرى .. للوهلة الاولى ظننتها مشفى ... لون الجدران ابيض ومتصل بيدي محلول معلق على حامل ابيض .. رائحة الدواء تفوح من المكان.. ولكن هناك شيئا مختلف..

الغرفة تبدوا واسعة .. الفراش ايضا !!.. درت بنظري من حولي... هناك اثاث ومكتبة صغيرة مليئة بالكتب وفوقهم جهاز حاسوب صغير.. اهذه الاشياء توفر بالمستشفيات ايضا!!

تبدو اكثر كغرفة نوم من غرفة مشفى... اين انا !!..حاولت النهوض ولم استطع.. نظرت جواري لاجد اطار به صورتين .. انها بالتأكيد غرفة من بهذه الصور .. لما لا يمكنني الرؤية بوضوح!! ..

حاولت الاعتدال بصعوبة واخذت ذاك الاطار .. علي ان انظر به عن قرب .. ماهذا!! انها صور لطفلين!!.. بسبب رؤيتي المشوشة لايمكنني رؤية ملامحهما جيدا.. في احداهما يحمل ولد فتاة صغيرة على ظهره.. وجه الفتاة يختبأ نصفه خلف رأس الفتى.. الا لاان عينيها المغلقتين تبدوان سعيدتان للغاية... كما لو كان من كثرت الابتسام عينيها اغلقت ^^ ... تلف يدا حول عنقه والآخرى تضعها وراء رأسه رافعة اصبعان منها!!.. حتى هذا الطفل يبدو سعيدا.. اهما اخوة!!..يالحماقتي.. ماذا قد يهمني في ذلك.. الاهم ان اعلم من هم.. لا الاهم ان اعلم اين انا.. نظرت بالصورة المقابلة .. انها تلك الطفلة مرة اخرى.. هذه المرة وحيدة وتمسك ببعض الورود.. تقف في حديقة صغيرة من الازهار.. كلها بيضاء.. تمام المفضلة لدي.. ازهار!!.. أيعقل ان يكون !! ايمكن ان اكون بمنزل ذلك الشخص!!

سمعت بضع نقرات خفيفة على باب الغرفة .. لم ارد الاجابة .. كنت خائفة.. لا اعلم اين انا وكيف جئت إلى هنا او من سيكون هذا الشخص الذي يقف وراء هذا الباب!! كيف لي ألا اكون خائفة!!

توقف النقر .. وفتح الباب ببطئ كما لو انهم يخافون ايقاظي..كنت احدق ناحية هذا الباب دون اية افكار.. كل ما اخافه الآن هو ان اجد هذا الرجل المجنون كثير المزاح يدخل من ذاك الباب ..

حمدا لله انها هند.. تنفست الصعداء.. وناديتها بلطف (حبيبتي..)

اعلم جيدا انها كانت قلقة عليّ.. اعلم كم اتعبتها معيّ.. فرحت هند لسماع صوتي وجرت نحوي وهي تبتسم وتمنع نفسها من البكاء.. وقفت امامي لحظات تتأملني بنظرة لم اراها بعينها من قبل.. احتضنتني برفق وتسارعت انفاسها لتحارب الدموع ألا تنهمر .. فرتبت على ظهرها احاول ان اهدأ من روعها قليلا.. اعلم جيدا كم تحبني.. واعلم ايضا انها حزينة للغاية لاجلي.. لكني لم اقوى على التحدث بالأمر .. لم اقوى على قول الكلمات التي تريد سماعها ..لا.. لا يمكنني تركها تتألم بسببي .. تحدثت بصوت ضعيف.. :

(اني بخير.. بخير)

ابعدتني هند عنها لتنظر بوجهي .. فابتسمت لها .. ابتسمت قدر ما استطعت .. لا اعلم ان كانت ظهرت كابتسامة ام لا!! كل ما اعرفه ان ما حاولت قوله لم ينجح معها.. اجهشت هند ببكائها .. اخذت دقائق عدة حتى هدئت قليلا .. بدأت تحدثني كعادتها .. بلا انقطاع ..قالت لي كم اشتاقت إلي ولم تستطع رؤيتي... اخذت تشكو من اخيها قليلا.. وتحكي عن الاجازة قليلا.. وبوسط حديثها سمعنا نقرات اخرى على باب الغرفه.. نظرنا الى الباب سويا.. قلت لها باابتسامه :

(وها قد اتى احمد !!)

نظرت الي هند وقالت لي ببعض المرح : (اتمزحين.. لم احضره معي.. لقد قلت له ان عليه زيارتك بمفرده فانا لااطيق وجوده معانا )

ابتسمت لها وانا اسمع نقرات اخرى على الباب .. سألت نفسي.. اذن من يكون!!.. نعم صحيح لازلت لا اعلم اين انا!!

وما إن شرعت ان اسأل هند إلا ووجدتها تقف وتنظر إلى الباب قائلة :

(انه بالتأكيد الطبيب .. سأذهب لافتح له)

همت هند بالتحرك.. فسألتها مسرعة قبل ان تصل إلى الباب .. (أي طبيب.. عن أي طبيب تتحدثين؟)

نظرت إلي هند بتعجب شديد فاكملت انا ( أين اكون بالضبط؟؟ اين نحن؟؟)

نظرة الدهشة التي تعلو وجه هند لم تتغير.. وقالت لي وهي تشير إلى الباب ( لقد قال لي انه أبلغك!!.. ألم يقل لك دكتور سيف انه سيتولى رعايتك ؟؟)

سيف مجددا!!.. اتعني بهذا انني بمنزله الآن!!.. كيف يجرؤ؟؟ دون حتى علمي!!.. ايصدق هذا الشخص حقا ما يقوله!!عن أي رعاية يتكلم؟؟!!!

وسط موجات غضب تجتاحني بذكر اسمه فتحت هند الباب وهي تبتسم.. وتقول :

(نعم نعم لقد استيقظت.. تفضل)

مازال عقلي يصرخ دون كلمات .. تفضل!! ماذا تفعلين ياهند انه شخص مجنون.. لما تبتسميين بوجهه هكذا!! لما تتركينه يدخل إلى هنا ..

كل هذا اردت قوله لكني لم استطع فقط ظللت احملق بما يحدث امامي..

دخل هذا الشخص وهو يبتسم ويقترب مني قائلا :

(كيف حال الصداع؟؟؟ والدووار؟؟..)

لم اجيبه .. كل ما كنت افكر فيه هو ان علي الهروب منه..

حاول امساك معصمي مرة اخرى .. ولا اراديا ابعدت يدي عنه.. يبدو التصرف السليم على اية حال.. فكيف لي ان اثق بهذا المجنون!!..

نظر إلي مرة اخرى .. تلك المرة دون ابتسامات.. فقط بعين جادة تخيفني.. وقال بصوت جاد ايضا :

(همممم... لا يمكنك الاستمرار بهذا.. الآن .. فقط تمي شفائك.. وبعدها ان احببتي الهروب مني فلك هذا.. فقط كوني بخير .. اتفقنا؟)

ماباله بهذا الوجه.. كم هي مخيفة تلك الاعين الغاضبة.. لا يبدو على وجهه الغضب.. ولا بصوته.. انها فقط عيناه.. وعن اي هروب يتحدث!!.. ايمكن لهذا الشخص ان يسمع افكاري!!.. ام انني بهذا الوضوح!!..

مد يده نحوي مرة آخرى.. تلك المرة لم ابعد يدي.. خوف او هيبة.. لا اعلم!!.. لكني لا اريد ان ارى تلك الاعين المخيفة مرة اخرى..

مرت لحظات .. صمت تام يسود الغرفة.. لم ينظر الى وجهي ثانية.. فقط امسك بورقة وقلم واخذ يكتب بعض الأشياء.. كان يبدو جادا.. من يراه الآن لن يصدق قولي عنه بكونه مجنون ابدا!!.. اريد ان اتحدث معه.. ان اكمل ما كنا نتحدث به من قبل.. لكني كنت خائفة.. لا اعلم كيف ابدأ الحديث ولا اعلم ماذا يمكن ان يقوله.. هو بالتأكيد شخص لا يمكنني توقع افعاله او اقواله..

ثني هذا الشخص الورقه ووضع القلم ببعض القوة.. اخافني صوت القلم يرتطم بالمنضدة وانتفض جسدي .. نظر حينها لي قائلا برفق :

(اه.. اسف .. لم اقصد اخافتك..)

لم انظر له.. فقط نظرت إلى هند التي تقف بعيدا نوعا ما.. كما لو كنت اترجاها بالنظرات ان تخرج هذا الشخص من هنا.. بل ان تخرجني انا من هنا..

اكمل هو حديثه بعدما تنهد قائلا :

(سأخرج لا تقلقي...)

نظرت إليه وانا اخاف ان افكر بشيء فيقرأه ولم اتحدث ايضا..

اكمل هو قائلا :

(وبالنسبة لحديثنا .. سنتحدث فور ما تتحسن حالتك..) صمت قليلا وابعد عينه عني ثم اكمل

(الآن سأخرج لأتيك ببعض الاشياء التي ستحتجينها..)

مد الي يده بالورقه والقلم واكمل :

(يمكنك اضافة ما تريدين.. )

نظرت إلى الورقة بتعجب.. وقبل ان امد يدي لآخذها .. حرك يديه هوا لتكون بمواجهة هند وقال لها :

(يمكنك ان تنظري انتي بها .. فهي على الارجح لن تضيف شيء..)

ابتسمت هند واخذتها منه وقالت بابتسامة مهذبة :

(حسنا اترك هذا الامر لي..)

اعاد بصره نحوي ثانية وقال بتلك الاعين المخيفة ..:

(هناك ثلاث ممرضات سيتناوبون لمراعتك..عليك ان تأكلي كل الوجبات التي ستأتيك مع الممرضات من الآن وايضا لا يمكنك الاهمال او التواني فالادوية.. لايمكنك التحرك من الفراش قبل غدا على الاقل.. ان اضطررتي للنهوض يمكنك ان تستخدمي هذا الزر وستأتيك احد الممرضات فلا تخجلي.. تعامل مع هذا المنزل كأنه المشفى الخاص بك.. يمكنك إن تحسنتي الخروج بالحديقة الخلفية...ممم بل انا انصحك بالخروج هناك توا ما تستطيعي هذا..)

استمعت الى كل ما يقوله وبرغم انها كانت بلهجة اوامر وانني لست جيدة بتلقي الاوامر.. الا انني كنت استمع جيدا كما لو كان سيسألني عما كان يقوله فور ما ينتهي !!

قال بلهجة حادة بعض الشيء :

(اتستمعين؟؟؟؟)

انتفضتت واومأت برأسي كثيرا .. لاجد صبعه على جبيني ليثبتها.. فنظرت ووجدته قريبا من وجهي ويبتسم ابتسامة عريضة ويقول :

(اماءة واحدة تكفي ...)

وهم بالخروج وهو يقول لهند ان تحضر له الورقة وهي بطريقها الى الخارج.. اما انا فاكتفيت بمراقبته مرة اخرى ويجتاحني شعور ما.. لا اظنني افهمه.

اقتربت مني هند وهي تنظر للورقة ويبدو بالها مشغول بما تفعله..

سألتني وهي لازالت لا تنظر إلي..

(ماذا يمكنني ان اضيف على هذا !!..)

نظرت لها بتعجب فثنت الورقة وقالت لي بابتسامة ..:

(حمدا لله..)

سألتها بعيني عما تقصد فردت هيا واكملت حديثها :

(كم كنت قلقة عليك .. اخاف من تركك وحيدة..لكن حمدا لله)

لازلت لا اعرف عما تتحث فقلت لها :

(ماذا تقصدين ياهند..؟ ليس عليك ان تقلقي تعلمين كم استطيع الاعتماد على نفســ..)

قاطعتني بلهفة وبسمة ارتياح :

(لن يكون علي ان اقلق .. ولن يكون عليك الاعتماد على نفسك ..)

اقتربت اكثر مني وهي تضع يدها على كتفي :

(ولن تكوني وحيدة .. اظنه مهتم للغاية لامرك.. بالرغم انك لم تحكي لي عنه من قبل ولكني نوعا ما اثق به )

فهمت.. اذن هذا الشخص قد احتال على هند كذلك .. اظنه قد قال انه من اقربائي او شيئا..يجب ان اوضح الامر .. عليها ان تعرف انني هنا كالأسيرة ليس بمكان موثوق به كما تقول!

قلت محاولة ان اجعل الحوار جادا :

(هذا الشخص... ماذا قال لك بالضبط؟؟)

قالت لي هند وهي تنظر إليّ :

(وماذا يمكن ان يقول..قال لي ان اخر شخص تثق به عمتك لهذا كانت اودعتك في رعايته ..وانك على الارجح لن تذكريه لانه رآك اخر مرة منذ ان كنتي فالسادسة من عمرك..)

سادسة؟؟ اي سادسة؟؟.. حسنا انني بالفعل لا اذكر الكثير قبل هذا العمر ولكنني.. الم اسكن مع عمتي في هذه الفترة؟؟.. انا لا اصدق .. ايمكنه ان يكون شخصا اعرفه ولكنني فقط نسيته؟؟ وان كان هكذا فلم كانت عمتي تقص قصص غريبة عنه.. كما لو كانت لا تريدنا ان اتذكره.. ولكنها في نفس الوقت كانت تعمل جاهدة على ألا انسى اسمه؟؟!!

(اصدقتي ما قاله!!؟؟) سألتها هذا وانا اتمنى ان تقل لا .. قالت لي هند بتعجب..:

(ماذا تقصدين بالتصديق!!.. لقد عرض على والدي اوراق تثبت كلامه.. انتي تعلمين ان ابي محام قديم وان كان هناك شيء مريب لما تركه ينقلك من المشفى الى منزله..)

تحركت عيناي إلى لا مكان.. وحاولت ان اركز بما تقوله لي هند.. لاحظت هند ارتباك افكاري فاكملت قائلة :

(احقا لا تذكرين عن هذا الشخص اي شيء؟؟...وبالحديث عن هذا ألا تظني انه من الغريب ألا تذكري اي شيء حتى عمر السادسه!! فهذا سن كبير على عدم التذكر!!)

رددت بتوتر : (بلا بالتأكيد اتذكر..)

سألتني هند بعينيها عن اي شيء يمكنني تذكره .. ولأنني لم اجد اجابة فخفضت عيني إلى اسفل.. فقالت هند بصوت عال كما لو كانت تذكرت امرا ما..:

(نعم صحيح...)

وقامت من جواري تنظر على المنضدة وتقول (اين ذهب..لقد كان هنا بالامس..)

سألتها بدهشة ..:

(عما تبحثين؟ .. أجئتي إلى هنا بالامس؟؟)

نظرت إلي مجددا وهي تقول : (بالطبع جئنا لنوصلك إلى هنا بعدما غبتي عن الوعي بالامس..مممم... انا متأكدة ان هذه الصور كانت هنا بالأمس..)

صور؟؟؟ رفعت الغطاء لاجد هذا الاطار ذو الصورتين الذي كنت انظر به قبل ان تأتي.. رفعته لها قائلة ..: (اتعنين هذا؟؟)

قالت لي :

(نعم نعم.. هل نظرتي به بالفعل!!.. ولازلتي تشككين بما يقوله!!)

قلت لها بتدهشه وانا اقلب هذا الاطار حتى ارى الصور مرة اخرى :

(نعم لقد كانت عيناي مشوشة ولكن ما دخل هذا بما نتحدث عنــــ..)

ما إن نظرت مجددا إلى الصورتين إلا وتوقف لساني عن الكلام.. لقد تحسنت رؤيتي.. استطيع رؤية ملامح كلا من الطفلان.. انه هو.. بالتأكيد هو.. لم تتغير ملامحه إلا قليلا.. وتلك الصغيرة جواره تكون.. انا !!