الأحد، 16 يونيو 2013

لانك انت .. الحلقة 7



لانك انت ..


الحلقة 7 (تسلل..)





(اريد التذكر).. قلتها مجددا وانا انظر على وجهه المتألم.. نظراته إلي التي تحولت كلها إلى نظرات قلق وحزن.. اريد ان امنعها.. ان امحيها.. ان كان هذا يعني ان علي تذكر اشياء لا يجب ان اتذكرها فسأفعل.. ان كان هذا سيؤدي بي ببعض الألم .. سأفعل.. سأفعل اي شيء لارد جميل هذا الشخص الذي اصبحت بين ليلة وضحاها اول اهتماماته..

نظر لي الطبيب وناداني مجددا بأسمي.. سألني منذ متى وانا هنا ولم يعير اهتماما لما اقوله.. نظرت نحوه وعدت كلامي على مسمعه مرة اخرى : (اريد التذكر.. حقا هذا ما اريده)

خفض نظره وقال : (لا)

قلت بصوت اكثر ارتفاعا : (لقد سمعتك.. انت قلت للتو ستفعل ما اريده انا.. وها انا اقول لك انني اريد التذكر)

برغم كلماتي الواثقة.. كانت يداي ترتعشان .. امسكت احداهما بالاخرى وراء ظهري.. وحاولت رسم الجمود على وجهي.. فقط احاول ان اطمئنه.. الا اجعله يقلق اكثر مما ينبغي على حالي..

رد علي ببرود قائلا :

(لا..)..

ومضى نحوي ليخرج.. بينما يمر بجواري .. امسكت بيدي كُم قميصه.. نظر إلى يدي بتعجب.. لم انظر إليه.. ان نظرت إليه سأفقد ما ألممته من شجاعه .. سينعقد لساني .. تحدثت وانا لازلت اتشبث بقميصه..:

(ابي وامي... لقد رأيتهما..)

نظر إليه بعينين تملأهم الفضول والدهشة..

اخذت نفسا عميقا وتحدثت مجددا..:

(بمجرد دخولي لذاك المنزل.. بدأت ارى مشاهد من الماضي.. كنت اتسائل هل هما حقا!! فعلى اية حال انا لم اراهما سوى بصورة واحدة..)

تركت قميصه وقد ملأتني الشجاعة واكملت ..:

(اريد ان اتذكرهم.. كيف يمرحون معي.. كيف يدللونني.. كيف يوبخونني إن اخطئت.. اريد ان.. ان اعرف لما اخفت عني عمتي هذا الجزأ من حياتي.. وكيف لي ان انسى والداي!! كيف ان انسى..)

توقفت لحظة عن الكلام .. لم اشعر وقتها بالخوف او الخجل مما سأقوله.. كنت فقط اقول ما يتبادر بذهني.. فأكملت وانا اوجه نظري نحوه..:

(اري ان اتذكرك.. لا اريد ان اراك غريبا بعد الآن..)

اعتاره الخجل من صراحتي.. وبخجله خجلت بالتالي !!

نظر نحو السيدة تهاني ثم نظر إلي.. وبصوت متردد وحاجبين متأسفان واعين قلقة ويضغط على اسنانه:

(ماذا.. تقولي انك رأيتي!! ماذا تذكرتي!!)

اخافتني نظرته.. ونبرة صوته.. بدأت تهرب مني شجاعتي مرة اخرها.. قلت بتردد :

(بضعة اشياء متفرقة.. جلوسنا على مائدة او قرائتنا لبعض القصص.. وايضا...)

سأل بلهفة شديدة : (وايضا ماذا!!)

قلت بحذر : (ايمكنك.. الرسم!!)

ارتبك الطبيب.. ولكن ظهر على وجهه الارتياح..قال مؤكدا :

(اهذا كل شيء؟؟)

اومأت برأسي.. فالتفت للسيدة تهاني وتبادلا حديثا بالنظرات لا يمكنني قرائته..

جلسنا نحن الثلاث حوالي ساعة .. السيدة تهاني تؤيد رأيي وتحاول اقناعه.. وهو يبقى على موقف واحد.. (لا)

جاءه اتصال هاتفي.. فنهض مبتعدا حتى يتلقاه..فور ما اعطى لنا ظهره.. مالت عليّ السيدة تهاني متسائلة:

(هل انتي متأكده من قرارك؟؟ ألا يمكنك فقط البقاء هنا؟؟) تعجبت من موقفها.. فمنذ لحظات عندما كان الطبيب معنا كانت تقف بصفي!! أومأت برأسي لها على اية حال..فتنهدت السيدة ثم نصحتني ان اهدده بأن اعيش بمنزل هند واحمد.. او بمنزل عمتي بمفردي!!.. تسائلت ان كان هذا سينجح!! لم يكن لديها ادنى شك بذلك!!

عندما اتى الطبيب.. وجدني عاقدة لزراعيي وانظر بعيدا وارسم على وجهي ملامح الغضب.. نظر لي وللسيدة ثم سأل : (هل انتهيتم من الحديث!)

نهضت انا وقلت بحزم : (نعم انتهينا.. انت من اخترت هذا فلا تلومني..)

قال بتعجب : (ماذا.. ماذا اخترت!!)

ارتبكت قليلا.. كنت قد نسيت ما علي قوله.. لست جيدة بالكذب للاسف..

تحدثت السيدة ويظهر عليها التأثر :

(لقد قررت ان تغادر المنزل.. )

نظر نحوي بغضب اكاد اشعر بنظراته تصرخ بي.. فأكملت السيدة حديثها :

(قالت ان بإمكانها الذهاب للعيش بمنزل الاستاذة ليلى رحمها الله.. او ربما..)

حول نظراته الغاضبة للسيدة متسائلا : ( او ربما ماذا!!)

قالت السيدة تهاني وعلامات التأثر والقلق تزداد على وجهها : (تعييش مع صديقتها هند..) صمتت لحظة ثم نظرت إليّ واكملت : (وصديقها احمد!!)

هب الطبيب واقفا وضرب بيدا على المنضدة الجالسين حولها.. احسست وكأن الضربة على رأسي .. قال لي بصوت غاضب : (ألم نتفق ان هنا منزلك..)

قلت بصوت ضعيف.. وكان من المفترض ان يظهر علي القوة والأصرار تبعا للخطه :

(انت لا تريد مساعدتي..)

(أ عليّ المخاطرة بك حتى اساعدك!!.. ألم ترين كيف غبتي عن الوعي وانتي لم تري سوى لحظات سعيدة واشياءا متفرقة!! ماذا اذا.. ماذا اذا تذكرت ما لايمكنك تحمله!! كيف سأسامح نفسي حينها!!)

قالها مسرعا دون تفكير.. اذن هذا هو ما يقلقه.. لا يريد ان يخاطر بي او يأذيني بأي طريقة.. تماما كما توقعت.. اشفقت عليه بعض الشيء.. وخجلت ايضا بما افعله به.. قلت بهدوء لأنهي الموقف :

(لا بأس..)

نظرت إليّ السيدة بتعجب شديد .. لم يكن هذا ما اتفقنا عليه.. ولكنها ابتسمت وجلست بارتياح نوعا ما.. كما لو كانت تتمنى ان اقول هذا..

كرر الطبيب كلماتي مجددا : (لا.. بأس!!)

تبسمت انا وأومأت برأسي.. وقلت :

(فقط انسى الموضوع..)

سألني مؤكدا..: (والحديث عن رحيلك!!)

اشرت برأسي نافية وانا لازلت ابتسم وقلت له : (لن اذهب إلى منزل عمتي ولا إلى منزل هند.. لا تقلق)

ارتاح الطبيب .. لكنه لازال يبو قلقا..وانتهى مجلسنا إلى هنا..جلست بغرفتي افكر فيما قال..انا بالطبع علي ان اتذكر.. لكن لا يمكنني تحميله مسؤلية هذا القرار.. فإن كنت اضعف مما اتخيل وهزتني ذكريات مضت.. سيكون هو من يتألم لانه سمح لي بالذهاب.. فقررت ان اذهب.. بمفردي سأذهب.. سأتذكر كل شيئا ثم اعود.. وماذا يمكن ان يكون قد حدث!!

تسللت بروية.. لاخرج من المنزل..ووقفت امام المنزل المجاور.. منزلي.. لا اعلم كيف علي ان ادخل إلى هناك!!.. لاحظني عم صالح "الرجل العجوز".. وقف مهللا.. وفتح لي البوابة..سألني كيف اشعر الآن وقال انه ممتن من الله عز وجل لاعطائه الفرصة ليراني مرة اخرى قبل ان يموت.. كان حارس المنزل وقتها ايضا.. وقتما كنت اعيش هنا..نظر من حولي وسألني :

(أين السيد الصغير؟؟ اتعلمين يااميرتنا كم سُر قلبي برؤيتكما سويا مجددا.. دوما ما كنتما سويا.. لا يفرقكما احد..)

رفع يده نحو المنزل.. مشيرا إلى اقرب شرفة من منزل الطبيب وقال :

(في إحدى المرات حينما منعه والديك من زيارتك لانك كنتي مريضة.. كانت اوامر الطبيب ويخشون ان يلتقط منك العدوى.. لكنه لم يكن يخاف شيئا اكثر من عدم رؤيتك ليوما كاملا.. وكان يضع لوحا خشبيا صغيرا بين الشرفتين ليصل إلى غرفتك ويطمئن عليكي ..)

اخذت انظر إلى عم صالح بفضول.. وترتسم على وجهي بسمة غريبة.. وحينما توقف عن الحديث سألتها بلهفة : (وماذا ايضا!!)

ضحك عم صالح قائلا : (ماذا علي ان اقول.. كنتي كظله.. لم أره يرسم احد طوال حياتي سواكي ياأميرتنا.. وايضا لم ..)

توقف عم صالح للحظة واختفت ابتسامته تماما من على وجهه ثم اكمل :

(وايضا لم اراه يبكي او يصرخ .. سوى عندما وجدناكي يومها..)

سكتت عم صالح.. نظر إلى بأسف ثم ضرب على فمه وقال : (لا اجد حلا لثرثرتي.. سأذهب لاحضر لنا كوبين من الشاي.. وسأتصل ايضا بالطبيب ..)

نهض عم صالح من امامي مسرعا.. كان يتهرب من ان اسئله المزيد.. او من ان يفصح هو عن المزيد..لم اوقفه عندما قال انه سيتصل بالطبيب.. فسيعلم على أية حال انني جئت إلى هنا.. كل ما علي فعله هو دخول المنزل.. ترى هل تركه عم صالح مفتوحا!!

ذهبت وانا مترددة.. هل ما افعله هو الشيء الصحيح.. تلك الحديقة الجميلة.. تبدو مرعبة بالظلام.. انرت طريقي بنور هاتفي المحمول.. ووصلت عند باب المنزل.. كان المفتاح به.. يبدو ان عم صالح قد نسييه هنا بسبب ما سببته انا من فوضى.. حسنا هذا من حظي..

دخلت إلى المنزل وفتحت كافة الانوار التي وجدت مكان مفاتيحها.. كنت اعلم ان الغرفة البعيدة تلك هي المكتب.. مكتب ابي.. كنت اري الدخول لكنها كانت مغلقة.. لم يكن هناك ذكريات تحوم من حولي.. لكن هناك شيئا.. على الارض .. تبدو كبقع دماء.. لا ادري ان كانت حقيقة ام ذكرى.. لكني بالتأكيد اراها.. وبالتأكيد اخشاها.. ومع ذلك تتبعتها حتى اعلى الدرج.. تلك الغرفة المجاورة للدرج كانت غرفتهما.. ابي وامي.. اتذكر هذا ..حاولت فتح الغرفة.. لكنها كانت ايضا مغلقة.. لم يبقى لي سوى ان ادخل غرفتي.. تلك التي في آخر الممر.. تلك ذات الشرفة الملتصقة بشرفة غرفة الطبيب.. سرت نحوها.. ودقات قلبي تعلو عن صوت خطواتي.. مدت يدي لفتح الغرفة.. كنت اتمنى ان اجدها مغلقة.. وان اذهب فقط إلى الطبيب اعتذر منه.. وابقى هناك للابد.. تبو خطة جيدة الآن !!

لم يحالفني الحظ.. وجدت الباب مفتوحا.. وجدت الغرفة مرتبة ومنظمة ونظيفة.. يبدو ان عم صالح كان يعمل على تنظيفها لذلك ابقاها مفتوحة.. لم يثير اي شيء فيها ذكرى واحدة لي.. تعجبت واستدرت لأهم بالخروج.. وقتها.. سمعت صوت انفاس عاليه.. كما لو احدهم كان يلهث بشدة.. نظرت خلفي برعب.. وجدت الفتاة الصغيرة .. انا.. ارتدي فستانا ابيض واسع وقصير و.. ومبقعة بالدماء.. يداي ايضا.. مليئة بالدماء..سمعت فجأة طرق قوي على الباب.. صوت مخيف يكرر من خلفه (ليس هناك احدا) .. يتحرك مقبض الباب باستمرار وبعنف.. وصوت مخيف اخر يقول : (انا متأكد انني رأيت شخصا ما..) بدأ الشخصان بالخارج بدفع الباب .. وضعت انا والصغيرة يدانا على اذنينا.. وهمت الصغيرة نحو الشرفة.. حاولت اللحاق بها.. لكن عندما نظرت كانت اختفت .. وكانت الاصوات اختفت.. بقيت انا.. والدماء من حولي وعلى يداي.. تسمرت مكاني.. وضعت وجهي على ركبتي وقربت ركبتي نحو صدري.. العديد من الصور تلاحقني.. اريد ان اوقف عقلي.. انها صور مليئة بالدما .. صور لشخص.. بل لشخصين.. يؤذيان والداي.. انهما.. لقد رأيتهما بعيني.. انهما.. انهما يقتلانهما!!




الحلقة السابعة انتهت