الحلقة ال6 .. (فيض الذكريات)
منزل لي!!
قال الطبيب امس ان هناك منزلا.. انا امتلكه.. لا أظن ان عمتي تملك منزلا اخر.. ولا اظن ان والداي قد تركا لي شيئا.. حسنا علي ان اتحدث معه اليوم.. مهما حدث يجب ان اعرف كل شيء يعرفه هو عني ولا اعرفه انا..
بضع نقرات بنغمة منتظمة على باب غرفتي.. بمجرد سماعها اعلم انه هو.. اخبرني من خلف الباب المغلق انه ينتظرني بالاسفل.. سنذهب سويا لنرى "منزلي" كما يقول...
خرجنا سويا انا وهو والسيدة تهاني .. لم نذهب نحو السيارة.. فكما قال ان المنزل قريب من هنا...بمجرد خروجنا من المنزل توقف الطبيب للحظة.. ونظر لي ويبدو على ملامحه القلق!!.. قال بصوت متردد:
(أتشعرين.. انك بخير؟)
تعجبت كثيرا من سؤاله.. وتعجبت اكثر من طريقته في طرح هذا السؤال.. هو يعلم انني بالفعل تحسنت.. لقد اصبحت طبيعية تماما منذ عدة ايام.. لم اجد ما اجيبه به.. ومالت رأسي يمينا وانا احاول ان افهم ماذا يقصد..
ابتسم مجددا وقال (حسنا هيا بنا).. لكن ملامح القلق لم تختفي من وجهه..
ومن ثم مشينا بضع خطوات فقط.. كنت انظر لأول مرة للحي .. يبدوا مكان نظيفا وراقيا.. والاهم هادئا.. توقف الطبيب فجأة عن المشي.. لم اعلم ان وجهتنا هي المنزل المجاور تماما!!.. كدت اصطدم بالطبيب لانني لم اكن منتبهه.. نظرت له وانا على وشك ان اعتذر فوجدته ينظر بشيء من الاسف.. اعارني الفضول فنظرت نحو ما ينظر.. وقبض قلبي!!
هذا المنزل.. اعرفه..
اظن انني اعرفه..
اقترب الطبيب من البوابة الحديدة السوداء الكبيرة.. لسبب ما كنت اريد ان اقول له الا يذهب الى هناك.. لسبب ما.. كنت افضل الرجوع الى منزل هذا الشخص على الدخول إلى هناك!!
ظهر رجل عجوز يبتسم وهو يفتح البوابة ويقول مهللا :
(مرحبا مرحبا بالسيد الصغير)
السيد الصغير!! يبدو ان الطبيب يأتي إلى هنا باستمرار.. سلم الطبيب على الرجل العجوز بود وسلم العجوز على السيدة تهاني كذلك.. ومن ثم نظر لي بتعجب.. نظرته اخافتني لا اعلم لما.. رفع اصبعه مشيرا نحوي كما لو كان يحاول ان يتذكرني.. وكان على وشك ان يقول شيئا لكن الطبيب قد امسك بيده المشيرة إليّ وانزلها وهو يهز رأسه نافيا..
ماذا ينفي!!.. وماذا كان هذا الرجل ينوي ان يقول!!
دخلنا سويا الى الحديقة الامامية... كانت حديقة ازهار .. هذا المكان بالتأكيد رأيته من قبل.. لا شك من هذا.. نعم صحيح.. انه المكان بالصورة الموضوعة بمنزل هذا الطبيب.. تلك الصورة للطفلة الضاحكة.. اقصد صورتي انا..
بدأت انظر لما حولي باهتمام شديد.. فربما يمكنني تذكر ما جرى هنا.. وبينما انظر لفت انتباهي شيئا.. كان كل من حولي ينظرون لي.. والطبيب ايضا.. تلك النظرة المليئة بالقلق مجددا!! علما يقلق!!..
هناك العديد من االازهار بالحديقة.. بعضهم البيضاء خاصتي.. والاخرون ملونين بالوان زاهية.. وهناك ايضا ارجوحتين صغيرتين .. معلقتان بين الاشجار.. لوهلة شعرت انهم يتحركان.. لوهلة فقط رأيت تلك الطفلة تضحك عاليا وهي تتأرجح بها.. كان شيئا مخيفا.. مارأيته هذا.. أكان ذكرى!!!.. لا شعوريا امسكت بجزأ من اكمام السيدة تهاني..كنت خائفة.. يكاد قلبي يقف.. ليس هناك سببا لهذا الخوف.. اعلم هذا جيدا.. لكنني اشعر بأنني على وشك ان اتذكر شيئا مؤلما.. مؤلما للغاية!!
وقف الطبيب امامي ينظر لي.. اظنه لاحظ خوفي.. ربما من يدي المعلقة برداء السيدة تهاني.. انزلت يدي مسرعة وانا اشعر بالاحراج .. قال هو مباشرة : (أتريدين المغادرة؟؟)
نعم اريد المغادرة.. ارجوك اخرجني من هنا.. تلك الكلمات التي كانت تدور بذهني حينها.. لكني لم استطع التحدث بها.. سألني مجددا بصوت يشبه بالهمس وبعين بها الكثير من الحزن.. :
(خائفة؟)
اخترقتني الكلمة.. الخوف هو تماما ما اشعر به الآن.. لكني لا اريده ان يعرف هذا.. حركت رأسي نافية وانا ابتسم واقول : (وماذا قد يخيفني!!)
تنهد الطبيب ولم تتغير نظرته الحزينه.. لكنه تماشى معي بكذبتي وابتسم ايضا.. وقفنا امام باب المنزل لحظات حتى يفتحه لنا العجوز.. نظرت انا بحذر فيما حولي.. ولمرة اخرى.. اجد الفتاة الصغيرة تحاول الوصول الى جرس الباب.. وتقف على اطراف اصابع قدميها تارة وتقفز تارة اخرى.. لا شعوريا حركت يدي نحو الجرس لاساعدها.. ايقظني صوت العجوز يقول : (معذرة اميرتنا لازال معطلا..)
اميرتنا.. اين سمعت تلك الكلمة!! هناك احد ما ناداني بذلك من قبل.. اظنه كان الطبيب.. نعم في أول لقاء على مااذكر..
فُتِحَ الباب.. ابتعد الطبيب قليلا وقال لي ان ادخل قبله!!.. لما قد يفعل هذا.. لما لا يدخل قبلي حتى تهدئ دقات قلبي ربما ولو قليلا!!.. حسنا لا يمكنني اظهار خوفي..
دخلت المنزل قبلهم جميعا.. وفجأة احتجزت بين فيض من الاحداث واشخاص من حولي ليسوا حقا هنا!!.. وجدت ابي وامي والطفلة.. يجلسون على المائدة ويتناولون الطعام.. وجدت امي تجلس مع الطفلة على اول درجة من السلالم وتقرأ لها كتاب ما.. وجدت ابي يلاحق تلك الطفلة على الادراج إلى الاعلى ليمسك بها ويرفعها عاليا بين اصوات ضحكاتهما.. ورأيتها تمسك بأزهاري البيضاء وتحاول ان تجلس ثابته وامامها طفل اخر يرسمها!!.. ورأيتها.. رأيتها تجري نحوي بسرعة وعلى وجهها تبدو السعادة .. ومرت من خلالي!!..
ملئني الرعب.. تلك الاشياء التي اراها... ذكرياتي أليس كذلك!!.. اعشت هنا مع ابي وأمي!!.. ألم يموتا في حادث سير!!.. ألم.. ايمكن ان اكون فقط جننت.. ام ما اراه الان من فعل الاشباح!!.. انا خائفة للغاية.. خائفة حتى الموت.. لا اريد المزيد من تلك الرؤى.. لا اريد المكوث هنا.. لا اريد رؤية اي شيئا اخر..
التفت نحو الباب مسرعة لاخرج من هذا المكان .. رأيت الطبيب امامي يقف ليسد طريق الخروج.. نظرت له بعيني اترجاه ان يدعني اخرج من هنا.. لم اقوى على الحديث.. ولم اقوى على اي شيء..
فجأة وجدت نفسي بالغرفة مجددا.. بمنزل هذا الشخص.. اكنت نائمة!!.. بالطبع كان حلما.. هذا تفسير منطقي.. بل التفسير المنطقي الوحيد لما رأيته.. نظرت جواري لاجد الطبيب يجلس !!.. وضعت يدي على رأسي مسرعة لأتأكد من وجود الحجاب.. وجدتني بملابسي التي رأيتها بالحلم.. ايعقل الا يكون حلما!!..
كان الطبيب واضعا يديه على رأسه ومخفضا رأسه لأسفل ويسند كوعيه على قدميه... وايضا هناك السيدة تهاني تجلس بعيدا على الاريكة ويبدو ان النعاس قد غلبها.. شعرت بالظمأ فحاولت الاعتدال بهدوء حتى لا ازعج ايا منهم.. بمجرد ان تحركت رفع رأسه الطبيب... كانت عينيه حمراء وشعره غير سوي.. يبدو مضحكا.. ضحكت بصوت هاديء ثم اعتذرت لازعاجه.. ومن ثم سألته بتهذيب.. (اهناك شيئا حدث!!)
لم يجيبني اكتفى فقط بالتحديق بي.. فنظرت مجددا نحو السيدة تهاني وعدت بنظري إليه ومن ثم سألته بصوت هاديء (لما انتما الاثنان تجلسان جواري!!)
لم يجيب ايضا.. فقط اخذ ينظر إليه بيعنيه الحمروتين .. اعتدلت بمجلسي ثم ابتسمت له قائلة : (يبدوا عليك التعب..)
لا اعلم ان كان كلامي مهينا او شيئا.. لكني وجدته ينهض فجأه بغضب.. ثم قال لي (آسف) وهم بالخروج..
سألته مسرعة قبل ان يذهب :
(متى يمكنني الانتقال إلـــ...)
قاطعني بلهجة يظهر بها الغضب دون ان يلتفت لي قائلا : (لن تذهبي إلى اي مكان..)
استيقظت السيدة تهاني من صوته الغاضب وهمت واقفة دون ان تقول شيئا .. وسألت انا ببعض الحزن والتعجب : (لكن ألم تقل ان بإمكـانـــ ...)
قاطعني مجددا تلك المرة وهو يقترب مني بخطواته الكبيرة ليكون بمواجتي تماما وقال بغضب شديد :
(اتستمعين إليّ!!.. قلت لك لن تذهبي إلى اي مكان.. ابدا) .. والتفت يهم بالخروج مجددا
انتفض جسدي وملأني الخوف.. لما يتصرف معي هكذا.. ماذا حدث.. كيف اغضبت هذا الرجل الهاديء إلى ذلك الحد!! .. ايمكن ان اكون فعلت شيئا دون قصد!!.. او ربما حدث شيء .. ايمكن..!!
تحدث لساني مع عقلي بصوت منخفض متسائل خائف ومتردد :
(ألم يكن حلما!!)
توقف الطبيب عن الحركة.. يبدو انه سمعني.. يبدو انني محقة... فكررت سؤالي مجددا وانا انظر له.. لازلت بنفس الخوف.. ولازلت بنفس التردد.. لكن تلك المرة سألته بصوت عال:
(لم يكون حلما أليس كذلك؟)
نظر الطبيب نحو السيدة تهاني وبادلته السيدة نفس النظرات.. اعاد نظره للاسفل ولم يجيب.. ولم يخرج.. بقي هناك ساكنا .. لم يلتفت حتى!!
اقتربت السيدة تهاني مني بابتسامة غريبة تسألني : (ماذا تشتهين لتأكلي اليوم اميرتنا!!..)
نظرت متعجبة مما تقوله !!.. اتحاول ان تغيير مجرى الحديث!!.. نظرت مجددا لذاك الشخص الواقف كالصنم وقلت له بصوت يرتعش خوفا :
(ألا يمكنك فقط ان تجيب!!.. فقط قل انه حلم!!)
سمع كلماتي وخرج.. لا اعلم ما يعنيه هذا.. اظنني على وشك ان افقد عقلي.. نظرت مجددا للسيدة اسألها وبدأت يداي ترتعش مع صوتي..:
(اكنا هناك.. بذلك المنزل الكبير!!)
حاشت نظرها عني وبدأت تعيد ترتيب بعض الاشياء بالغرفة فاكملت انا اترجاها :
(رجاءا.. انني على حافة الجنون.. )
تركت السيدة ما بيدها واقتربت مني وضمتني إلى صدرها بحنان .. ومن ثم ابعدتني مجددا عنها وقالت دون ان تنظر لي بعيني : (اعذريني لدي بعض الاعمال)!!
خرجت من الغرفة مثلما فعل الطبيب.. ولم احاول ايقافها.. ربما ستقع بالمشاكل ان تحدثت معي .. وايضا لانني.. اخشى ما يمكن ان تقوله..
انتظرت قليلا بالغرفة.. احسست ببعض الاختناق.. بدلت ملابسي بشيء اوسع.. وكذلك اعدت لف حجابي بشكل اوسع.. لكنني لم اتحسن.. قلت بنفسي ان الخروج الى الحديقة فكرة لا بأس بها..
قبل ان افتح باب الحديقة سمعت صوتا غاضبا يقول : (لا اريدها ان تفعل.. لا اريدها ان تتذكر)
شعرت بوخز بقلبي.. تلك الكلمات شعرت انها عني.. فتحت باب الحديقة كي اتحدث معه.. ما الشيء الذي لا يريدني ان اتذكره!! لما يبدوا غاضبا كهذا!!..
وجدت السيدة تهاني تقول له بلطف : (ان لم تتذكر ستظل تراك كالغريبــ)
قاطعها مجددا بغضبه الغير مفهوم وبحزن بادٍ على كلماته وهو يقول (كنت احمق.. اناني .. كيف لي ان القيها فجأه بماض تهربت منه لسنوات!!)
ارت ان اتحدث.. ان اسأله ان يفهمني ما يجري.. لكنني وقفت مكاني دون كلمة .. ربما دون نفس!!
ردت عليه السيدة وهي تقترب منه ( عزيزي لقد كان وصية الاستاذة ليلـــ)
قاطعها بسرعة قائلا : (لا يهم..) نظر نحوها واكمل حديثه :
(لا يهمني من يريدها ان تتذكر ولاجل اي سبب.. لا يهمني الآن سواها.. سوى ما تريده هي..)
هم بالنهوض والتفت نحو الباب ليخرج.. وجدني واقفة هناك.. انظر ارضاً..
ناداني ببعض اللهفة قائلا اسمي.. تلك المرة الاولى التي ينادني باسمي!!
اريد ان اجيبه.. لكني كنت افكر فقط فيما حديثهما.. صمتت قليلا.. وما ان حاول الاقتراب مني وجدت لساني يتحرك.. اجبته.. بشيء واحد فقط :
(انا ..اريد ..الت..التذكر)
,,,,,,,,,,,
الحلقة ال6 انتهت ^^